أحمد مصطفى المراغي
143
تفسير المراغي
ظاهرا لهم من قبل - بعد أن رأوا من الآيات ما اختبروه بأنفسهم وشهدوه بأعينهم ، مما يدل على أن يوسف لم يكن إنسانا كالذين عرفوا في أخلاقه وعفته واحتقاره للشهوات واللذات التي يتمتع بها سكان القصور ، وفي إيمانه بأن ربه لن يتركه بل يكلؤه بعين عنايته ، ويحرسه بوافر رعايته ، وقد استبان لهم ذلك من وجوه : ( 1 ) إن افتنان سيدته في مراودته وجذبها خلسات نظره لم تؤثر في ميل قلبه إليها ، بل ظل معرضا عنها متجاهلا لها حتى إذا ما صارحته بما تريد استعاذ بربه ورب آبائه ، وعيّرها بالخيانة لزوجها . ( 2 ) إنها لما غضبت وهمت بالبطش به هم بمقاومتها والبطش بها ، ولم يمنعه إلا ما رأى في دخيلة نفسه من برهان ربه الذي يدل على أن ربه صارف عنه السوء والفحشاء . ( 3 ) إنها حين اتهمته بالتعدي عليها شهد شاهد من أهلها أنها كاذبة في اتهامها إياه وهو صادق فيما ادعاه من مراودتها إياه عن نفسه بدلالة القميص على ذلك . كل هذا أثبت لهم أن بقاءه في هذه الدار بين ربتها وصديقاتها مثار فتنة لا تدرك غايتها ، وأن الحكمة هو تنفيذ رأيها الأول بسجنه لإخفاء ذكره وكف ألسنة الناس عنها في أمره ، وأقسموا ليسجننه حتى حين دون نقيد بزمن معين ليروا ما ذا يكون فيه من تأثير السجن وحديث الناس عنه . وفي تنفيذ هذا العزم دلالة على ما كان لهذه المرأة الماكرة من سلطان على زوجها تقوده كيف شاءت ، حتى فقد الغيرة عليها ، فهو يجرى وراء هواها ، ويستجلب رضاها ، حتى أنساه ذلك ما رأى من الآيات وعمل برأيها في سجنه لإلحاق الهوان والصغار به حين أيست من طاعته وطمعت في أن يذلّله السجن لأمرها ويقف به عند مشيئتها .